الأحداث

هيئة شؤون الأنصار للدعوة والإرشاد خطبة عيد الأضحى المبارك الموحدة ١٠ ذو الحجة ١٤٤٥ه الموافق 16 يونيو 2024م

هيئة شؤون الأنصار للدعوة والإرشاد خطبة عيد الأضحى المبارك الموحدة ١٠ ذو الحجة ١٤٤٥ه الموافق 16 يونيو 2024م

الخطبة الأولى


وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا
الله أكبر الله أكبر الله أكبر ولله الحمد

الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون
والصلاة والسلام على نبي الرحمة الذي جاء بالحق هاديا ومبشرا ونذيرا، صلوت ربي وتسليماته عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين
أما بعد؛

أحبابي في الله وإخواني في الوطن العزيز:
نحتفل اليوم بعيد الأضحى الذي يتضمن ثلاث مناسبات هي:

إحياء ذكرى أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام وابنه الذبيح إسماعيل وزوجه هاجر عليهم السلام.

والمناسبة الثانية الحج خامس أركان الإسلام.

والمناسبة الثالثة الأضحية التي جعلها الله قربانا يتقرب به المؤمنون إليه، ﴿ لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ ۗ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِين﴾¹
أحبابي في الله وإخواني في الوطن العزيز
عن أنسٍ رضي الله عنه قالَ: قدِمَ رسولُ اللَّهِ ﷺ المدينةَ ولَهم يومانِ يلعبونَ فيهما فقالَ: ما هذانِ اليومانِ؟ قالوا كنَّا نلعبُ فيهما في الجاهليَّةِ. فقالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ إنَّ اللَّهَ قد أبدلَكم بِهما خيرًا منهما يومَ الأضحى ويومَ الفطرِ”

العيدُ في الإسلام له خصوصيته. فهو يشترك مع أعيادِ الأمم الأخرى في إظهار البهجة والسرور والفرح بين المحتفلِين به؛ ولكنه يتميز عنها بالآتي: هيئة شؤون الأنصار

أنه مرتبطٌ بمعانٍ إيمانية فهو يأتي بعد عبادةٍ عظيمة هي الفراغ من الركن الأعظم من أركان الحج وهو الوقوف بعرفة، شُكراً لله تعالى على تمامِ أداءِ النعمة. كما تتجلى المعاني الإيمانية في العيد في الابتداء بالتكبير، والغسل، والصلاة، وذبح الأضحية قرباناً للهِ تعالى مما يُؤكِد أن الحياة في الإسلام موصولةٌ بالله تعالى في كلِ شُعَبِها، وأن الفرح عند المسلمين لا يعني استباحة المحارم، وإنما هو منضبطٌ بأخلاقِ الإسلامِ وقِيَمِه.

وهو عيدٌ للجميع وليس لطبقةٍ مُعينة؛ ولذلك سنَّ رسولُ اللَّهِ ﷺ توزيع لحوم الأضاحي على ثلاث فئات: ثلثٌ للمُضحِي وأهلَ بيتِه، وثلثٌ لأصدقائِه وأهل مودته، وثلثٌ للفقراء والمساكين حتى يفرح الجميعُ بالعيد فلا يكونُ عيداً للأغنياءِ فقط. وفي ظروف بلادنا الحالية، يُرجَى الإكثار مِنْ التصدُق بالأضحية والبعد قدر المستطاع عن الإدخار حتى يعم نفعها للمحتاجين مِنْ الأقارِب والجيران والنازحين.

والعيد مظاهرة إيمانية تُظهِر قوة الأمة الإسلامية ولذلك أمَرَ رسول الله ﷺ أن تُصلَى في فلاة – أي ساحة- وأمَرَ أن يُشارِك الجميع حتى الحُيَّض يشهدن الخير ويحضرَن الخطبة ويعتزِلن المُصلَى؛ ولكن إذا خَشِيَ المُصلُون مِن أية مُهددات أمنية فيُرجَى تجنب الاحتشاد في الساحات والاكتفاء بالصلاة في المساجد حتى لا يكونوا هدفاً للدانات والرصاص الطائش، وبهذه المناسبة نُوجه نداءً لقوات الشعب المسلحة ولقوات الدعم السريع بوقف القتال آيام العيد ليتمكن المواطنون من عيش فرحة العيد والتواصل مع الأرحام والأصدقاء والجيران. هيئة شؤون الأنصار

والأضحية أيها الأحبة قربانٌ يُذبحُ لوجهِ اللهِ تعالى وابتغاء مرضاتِه بعيداً عن الرياء والمباهاة قال تعالى: ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنْكُمْ﴾، وهي تجسيدُ لفداء إسماعيل ببهيمة الأنعام عندما امتثل أمر والده بذبحه، وتأكيدٌ آخر لتكامل الرسالات الإلهية قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ، فَلَّمَا أسْلَمَا وتَلَّه للجَبِيْن ونَادَينَاه أنْ يَا إبْرَاهِيمْ قَدْ صَدَّقْتَ الرُؤيَا إنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ، وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾²، والمقصود تكبيرَ اللهِ وشكرَه على نِعَمه قال تعالى: ﴿ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ ۗ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾³، ويُشترط في الأضُحية أن تكون سالمة من العيوب، ويُرجَى في ظروف البلاد اليوم أن يتبرع الأغنياءُ داخل وخارج السودان ممن لديهم الاستطاعة بشراء الأضحية وتوزيعها على النازحين من جحيم الحرب في الولايات أو الصامدين في منازلهم في الولايات حيث يعيش أغلبُهم ظروفاً صعبة قال تعالى: ﴿ويُطْعِمُونَ الطَعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينَاً ويَتِيمَاً وأَسِيرَاً إنَّما نُطْعِمُكُم لوجهِ اللهِ لا نُريدُ مِنْكُمْ جَزَاءً ولا شُكُورَا﴾⁴

أحبابي في الله وإخواني في الوطن العزيز
قال تعالى: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾⁵.
الحجُ تجديدٌ للإيمان في أحبِ البقاع إلى اللهِ تعالى ” المسجد الحرام” وفي أفضلِ الأوقاتِ عند الله تعالى ” العشر الأوائل من ذي الحجة” وله مقاصد نذكر منها:

أولا: تجسيد وحدة الأمة حيث يلتقي فيه المسلمون من كلِ أنحاءِ العالم وقد تركوا انتماءاتهم القبلية والوطنية والمذهبية خلفهم ليدخلوا في رحاب الأمةِ الواسع؛ فلنُحقق هذا الشعار في مجتمعِنا بأن نتوافق جميعنا لصالحِ الأمة ولا ندع الاختلافات بين مكونات الأمة المتعددة تقودُنا إلى التفرق الذي يُؤدي إلى الفشل وذهاب الريح.

ثانيا: وهو تجسيدٌ للتعارف بين الشعوب على اختلاف القبائل والألوان واللغات فلنحرِص على التعامل مع التنوع في الألوان والقبائل والمناطق في مجتمعنا على أنه مدخلٌ للتعارفِ بيننا لا التعالي أو التمايز، ويجب البعد عن أخذ الأشخاص بجريرة غيرِهم قال تعالى: ﴿منِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾⁶.

ثالثا: وهو تجسيدٌ لوحدة الدين، ولتكامل الرسالات، فقد حج البيتَ جميعُ الأنبياءِ عليهم السلام؛ ما يُؤكد أن الرسالة المحمدية هي تجسيد لتكامل رسالاتِ الله تعالى إلى البشر، وهي الأكثر صلةً بجميع الأنبياء والرسلِ عليهم السلام، والمطلوب أن نُجسِّدها قولاً وعملاً حتى نكونَ قدوةً لغيرِنا. هيئة شؤون الأنصار

أحبابي في الله وإخواني في الوطن العزيز:

إن العيد هو مناسبة للعفو والتسامح، وإصلاح ذات البَين بَيْن الأقارب، والأصدقاء، والجيران، وعموم المُسلمِين فبادروا إلى ذلك لكي تُرفَع أعمالُكُم إلى اللهِ قال رسولُ اللهِ ﷺ: “تُفْتَحُ أبْوابُ الجَنَّةِ يَومَ الاثْنَيْنِ، ويَومَ الخَمِيسِ، فيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لا يُشْرِكُ باللَّهِ شيئًا، إلَّا رَجُلًا كانَتْ بيْنَهُ وبيْنَ أخِيهِ شَحْناءُ، فيُقالُ: أنْظِرُوا هَذَيْنِ حتَّى يَصْطَلِحا، أنْظِرُوا هَذَيْنِ حتَّى يَصْطَلِحا، أنْظِرُوا هَذَيْنِ حتَّى يَصْطَلِحا” مسلم. وأعظمُ إصلاحٍ بين المُسلِمين هو ما كان نفعُه للعامة وانعكس على حياتِهم بالخير.
ولذلك قال رسولُ اللهِ ﷺ عن الحسن بن علي: “إنَّ ابْنِي هذا سَيِّدٌ، ولَعَلَّ اللَّهَ أنْ يُصْلِحَ به بيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ” البخاري. وفعَل الحسن ذلك فجنَب المُسلِمين الحرب بتنازلِه عن الخلافة؛ فالصلحُ الذي بسببِه تُعصَمُ الدماء، وتُحفَظُ النفوس، ويأمَنُ الناس، ويتحقَقُ الاستقرار أحبتي هو أعظمُ وأولَى وأنفَع قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾⁷. ولذلك احتوت خطبة النبي ﷺ في يوم عرفة على التأكيد على عظمة حرمة الدماء والأموال والأعراض، واجتماع الكلمة، والبعد عن الشقاق. وأعادَ رسولُ اللهِ ﷺ التذكير بذلك في خطبة يوم العيد حيث قال: “فإنَّ دِماءَكُمْ وأَمْوالَكُمْ وأَعْراضَكُمْ علَيْكُم حَرامٌ، كَحُرْمَةِ يَومِكُمْ هذا، في بَلَدِكُمْ هذا، في شَهْرِكُمْ هذا، وسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَسَيَسْأَلُكُمْ عن أعْمالِكُمْ، ألَا فلا تَرْجِعُوا بَعْدِي ضُلَّالًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقابَ بَعْضٍ، ألَا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغائِبَ” فرسولُ اللهِ ﷺ يُعلِن أن الاعتداء على الدماء أو الأموال أو الأعراض حرام تُوازِي حُرمَتُه حرمة انتهاك الأشهر الحرم والبيت الحرام ما يُوجِب علين
ا إطلاق نداء لوقف الحروب في كلِ مناطقِ النزاعات داخل السودان وخارجه، ونخص بذلك الاقتتال بين قوات الشعب المسلحة والدعم السريع ونُردِد مع رسول اللهِ ﷺ: ” لا ترجعوا بعدي ضُلالاِ يضرِب بعضُكم رقابَ بعض”؛ وهي الحكمة التي اهتدت إليها المجتمعات البشرية المتحضرة بإيجاد آليات سلمية للنزاعات بعد أن عاشت حروباً دموية أزهقت أرواح الملايين ودمرت البنيات التحتية للدول. هيئة شؤون الأنصار

وفي وصية النبيِ ﷺ في خطبة عرفات وخطبة يوم العيد تذكيرٌ بحُرمةِ الاعتداءِ على الأموال، وأن حرمتَها تعدِل حرمةِ الكعبة ما يجعُلنا نُطلِقُ نداءً لوقفِ الاعتداءِ على أموالِ الناس وممتلكَاتِهم التي هي ثمرةُ لجهدِ عمليٍ طويل فنقول لمن أخذ مالاً، أو بضاعةً، أو سيارةً ليس له فليُرجِع الحقَ لصاحبِه قال رسول الله ﷺ: “مَن أَخَذَ شِبْرًا مِنَ الأرْضِ ظُلْمًا، فإنَّه يُطَوَّقُهُ يَومَ القِيَامَةِ مِن سَبْعِ أَرَاضِينَ” ويدخل في هذا من اشترى مالاً مسروقاً وهو يعلم فإن ذلك مُحرَّمٌ شرعاً وقانوناً.

وفي وصَّية النبيِ ﷺ في خطبة عرفات وخطبة يوم العيد كذلك تذكيرٌ بحرمة الاعتداء على الأعراض، واعتبار حرمتَها كحُرمةِ البيتِ الحرام ما يُوجِب علينا إدانة الاغتصابات والانتهاكات التي حدثت في ظل الحرب واعتبارها فعلاً يُنافِي الدين والأخلاق والإنسانية والرحمة، ونُذكِّر المُعتدِين بخطورة الجريمة شَرعاً وقانوناً

أحبابي في الله وإخواني في الوطن العزيز

أخرج البخاري ومسلم عَنْ أَبِي بَكْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ، فَقَالَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: «أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟» قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟»، قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فَقَالَ «أَلَيْسَ ذُو الحَجَّةِ؟»، قُلْنَا: بَلَى، قَالَ «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ «أَلَيْسَتْ بِالْبَلْدَةِ الحَرَامِ؟» قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ، بَيْنَكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، إِلَى يَوْمِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟» قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «اللهُمَّ اشْهَدْ»، قال ابن عباس رضى الله عنه: “فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّهَا لَوَصِيَّتُهُ إِلَى أُمَّتِهِ، فَلْيُبْلِغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ”.
أو كما قال
استغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

هيئة شؤون الأنصار للدعوة والإرشاد خطبة عيد الأضحى المبارك الموحدة ١٠ ذو الحجة ١٤٤٥ه الموافق 16 يونيو 2024م

الخطبة الثانية


الله أكبر كبيرا والحمد لله بكرة وأصيلا
الحمد لله الوالي الكريم والصلاة على سيدنا محمد وآله مع التسليم
أما بعد
أحبابي في الله وإخواني في الوطن العزيز
خمسة عشر شهرا مضت منذ اندلاع الحرب في بلادنا، ونتيجتها حتى الآن قتل عشرات الآلاف من المواطنين، وإعاقة وجرح أضعافهم، وتشريد الملايين من ديارهم نزوحا ولجوءًا، وانتشار خطاب الكراهية والاصطفاف القبلي بصورة أشبه بما كانت عليه الحياة الجاهلية التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم:”دعوها فإنها منتنة”، وأفرزت الحرب انتهاكات للحرمات وبشاعات في الممارسات هزت الضمير الإنساني في كل مكان
أحبابي في الله وإخواني في الوطن العزيز:
لم تحقق الحرب ولا مقصدا من مقاصد مشعليها، بل حققت نقيص مقاصدها، وقد دمرت البنيات التحتية لبلادنا مع انهيار شبه تام للدولة وعجز السلطات عن القيام بواجبها في توفير الأمن ومتطلبات الحياة للمواطنين
إننا في هذا اليوم نوجه النداء الآتي:

أولا: لمتخذي القرار في القوات المسلحة، ثبت بما لا يدع مجالا للشك أن خسائر الاستمرار في الحرب تتضاعف كل يوم، وستكون النتيجة تمزيق الوطن، وتدمير ما تبقى من مقدراته، ومضاعفة قتل المواطنين الأبرياء، وما تقوم به الطائرات الحربية يقع أغلبه على المواطنين العزل مع تدمير للمنازل ومؤسسات الدولة، كما حدث في الكومة وبابنوسة ونيالا وبحري وغيرها، ومع استمرار الحرب يخشى أن تكون البلاد مسرحا للتدخل الأجنبي، وساحة للإرهاب، وهو ما يتعارض مع رسالة القوات المسلحة التي بنيت للمحافظة على أمن المواطن وحماية الوطن؛ نرجو أن تتخذوا قرارا شجاعا بالانحياز إلى السلام وإيقاف إطلاق النار من طرف واحد والعمل على إيقاف الحرب عند هذا الحد والانحياز إلى السلام حفاظا على مواطنيكم ووطنكم وما تبقى من مقدرات وطنكم، واقتدوا برسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال عن قريش:((والذى نفسى بيده، لا يسألونى خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها)). هيئة شؤون الأنصار

ثانيا: لمتخذي القرار في قوات الدعم السريع، لقد خرجت الحرب عن مسارها العسكري وأصبحت موجهة ضد المواطنين الآمنين، وفي المناطق التي تقع تحت سيطرة الدعم السريع- خاصة في ولاية الجزيرة – وود النورة والدمبو وشمال النيل الأبيض، حيث وقع عدون بشع على المواطنين وانتهاك للحرمات واستيلاء على ممتلكات الناس وأموالهم وسياراتهم، وقد انتشر النهب والاعتداء على الآمنين والاستيلاء على حقوق الناس ظلما وعدوانا، مع انتهاكات يندي لها الجبين، ويخشى أن تؤدي إلى اصطفاف قبلي وجهوي يضيع في ظله الوطن، عليه نطالبكم بإيقاف هذه الحرب اللعينة والانحياز إلى السلام، للمحافظة على ما تبقى من شباب السودان والمحافظة على النسيج الاجتماعي والوحدة الوطنية

ثالثا: نداء للقوى السياسية، البلاد في طريقها للانهيار، والمواطنون أصبحوا ضحايا القتل وانتهاك الحرمات والنزوح واللجوء، والموت بالجوع والمرض وانعدام العلاج، في ظل هذه الظروف فإن الأولوية لإيقاف الحرب وتحقيق السلام والمحافظة على ما تبقى من الوطن، نناشدكم بطي صفحة الخلافات والتوحد خلف هدف واحد هو إيقاف الحرب، وبعد عودة السلام والاستقرار، التشاور فيما بينكم لإعادة بناء ما دمرته الحرب وترميم النسيج الاجتماعي وتصميم نظام سياسي جديد يتلاءم مع أوضاع بلادنا هيئة شؤون الأنصار

رابعا: نداء للإدارات الأهلية والقيادات الاجتماعية، التجارب السودانية ذاخرة بنماذج المصالحات والجودية وحقن الدماء، يرجى منكم أن تتوحدوا جميعا كقادة وتسعوا لإصلاح ذات البين والمحافظة على النسيج الاجتماعي، وهو الدور الذي قام به سلفكم، فكونوا خير خلف لخير سلف، ولا تسمحوا بأي نوع من الاصطفاف القبلي أو الجهوي فكلكم لآدم وآدم من تراب

خامسا: نداء للقادة الدينيين، من الطرق الصوفية والجماعات الدينية والهيئات والعلماء؛ جعلكم الله دعاة للخير مغاليق للشر، وأمركم أن تكونوا خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر؛ إن واجب الوقت يفرض عليكم أن توحدوا خطابكم بدعوة الجميع لإيقاف الحرب والجنوح للسلم، فالله سبحان وتعالى لم يأمر بالاصطفاف مع إحدى الطائفتين عندما يقتتلا وإنما أمر بالإصلاح بينهما، فلتتوحد كلمة القادة الدينيين وليبادروا بإصلاح ذات البين لإطفاء هذا الحريق الذي اشتعل في بلادنا وقضى على مقدراتها هيئة شؤون الأنصار

سادسا:نداء إلى النخب من المفكرين والإعلاميين والمثقفين وأهل الفن والرياضة وكل أهل الرأي والتأثير، أنتم أمناء على تشكيل الرأي العام، مطلوب أن توحدوا كلمتكم حول إنهاء الحرب وتحقيق السلام، وإعلاء كرامة الإنسان ووحدة الوطن والمحافظة على سيادته وكرامة أهله، آن الأوان للالتفاف حول راية الوطنية الجامعة لإنقاذ الوطن من الهوة التي وقع فيها

سابعا: نداء لكل النشطاء في وسائل التواصل الاجتماعي، قال صلى الله عليه وسلم :”من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت” فلنجعل من وسائل التواصل الاجتماعي منصة لنشر الخير ولنغلق الباب عن كل ما ينشر الكراهية والسخرية وإذكاء نار الحرب، ولنتذكر قوله تعالى: ﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾⁸، وقوله تعالى: ﴿ وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا۝ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾⁹، وقوله تعالى: ﴿ وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾¹⁰.
علينا ونحن ننشر كلمة أو تسجيلا أو تعبيرا أن نضع نصب أعيننا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم :” إن من الناسِ مفاتيحُ للخيرِ ، مغاليقُ للشرِ ، وإن من الناسِ مفاتيحُ للشرّ ، مغاليقُ للخيرِ ، فطوبى لمن جعلَ اللهُ مفاتيحَ الخيرِ على يديهِ ، وويلٌ لمن جعلَ الله مفاتيحَ الشرِّ على يديه”
أحبابي في الله وإخواني في هذا الوطن العزيز:
في ظل هذه الحرب هنالك تجاوزات وتعديات على حقوق الإنسان، فالمشتبه به في مناطق سيطرة الدعم السريع يعامل على أساس أنه يتجسس لصالح الجيش، والمشتبه به في مناطق سيطرة الجيش يعامل على أساس أنه يتجسس لصالح الدعم السريع، وهكذا صار الأبرياء ضحايا الاشتباه، وهنالك اعتقالات ومحاكمات بالإعدام طالت كثيرا من المواطنين لمجرد انتمائهم لقبائل اعتبرت حواضن منحازة، إننا ندين هذه الممارسات المنتهكة لحقوق الإنسان ونطالب بإطلاق سراح المعتقلين والمحاكمين ومنهم الحبيب عيسى حامد محمد خميس الذي حوكم بالإعدام في الدمازين، والحبيب المحامي محمود جراد زايد
أحبابي في الله وإخواني في الوطن العزيز: هيئة شؤون الأنصار
مأساتنا الوطنية لا تنسينا مأساة إخوتنا في فلسطين، فقد أصيبوا بمثل ما أصبنا وأكثر فقط نحنا قتلنا أنفسنا وخربنا بلادنا بأيدينا وهم بأيدي الاحتلال، نسأل الله أن يلطف بنا وبهم، ويصرف عنا وعنهم كل مكروه، ويحقن دماءنا ودماءهم، اللهم كن لنا ولا تكن علينا، اللهم أحقن دماءنا وأطفئ الفتنة التي حلت ببلادنا وحقق لنا السلام والأمن والأمان والاستقرار، اللهم هيء لنا من أمرنا رشدا، واجعلنا من الذين تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين
العيد مبارك عليكم
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الهوامش:
١. سورة الحج -( الآية: ٣٧).
٢. سورة الصافات -( الآية: ١٠٢- ١٠٧).
٣. سورة الحج – (الآية: ٣٧).
٤. سورة الإنسان- (الآية : ٨).
٥. سورة الحج – ( الآية: ٢٧).
٦. سورة الإسراء -( الآية: ١٥).
٧. سورة البقرة -( الآية: ٢٠٨).
٨. سورة ق – ( الآية: ١٧).
٩. سورة الإسراء – ( الآية: ١٣-١٤).
١٠. سورة الكهف -( الآية: ٤٩).

هيئة شؤون الأنصار للدعوة والإرشاد خطبة عيد الأضحى المبارك الموحدة ١٠ ذو الحجة ١٤٤٥ه الموافق 16 يونيو 2024م

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى